فصل: مقدمة الثعالبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.ذكر فضائل القرآن:

(وأما ما ورد في القرآن وفضائله) فقد صنف الناس في ذلك كأبي عبيد القاسم بن سلام وغيره (ومما روي) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنه ستكون فتن كقطع الليل المظلم قيل فما النجاة منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تعالى فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بنيكم وهو فصل ليس بالهزل من تركه تجبرًا قصمه الله تعالى ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله تعالى وهو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم والصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تتشعب معه الآراء ولا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء من علم علمه سبق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن عصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتلوا هذا القرآن فإن الله تعالى يأجركم بالحرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف، ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف» وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في آخر خطبة خطبها وهو مريض: «أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين إنه لن تعمى أبصاركم ولن تضل قلوبكم ولن تزل أقدامكم ولن تقصر أيديكم كتاب الله سبب بينكم وبينه طرفه بيده وطرفه بأيديكم فاعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وأحلوا حلاله وحرموا حرامه ألا وأهل بيتي وعترتي وهو الثقل الآخر فلا تسبوهم فتهلكوا».
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أوتي أفضل مما أوتي فقد استصغر ما عظم الله». وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من شفيع أفضل عند الله من القرآن لا نبي ولا ملك». وعنه صلى الله عليه وسلم: «أفضل عبادة أمتي القرآن». وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشرف أمتي حملة القرآن». وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ مائة آية كتب من القانتين ومن قرأ مائتي آية لم يكن من الغافلين ومن قرأ ثلاثمائة آية لم يحاجه القرآن». وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القرآن شافع مشفع وما حل مصدق من شفع له القرآن نجا ومن محل به القرآن يوم القيامة أكبه الله لوجهه في النار وأحق من شفع له القرآن أهله وحملته وأولى من محل به القرآن من عدل عنه وضيعه». وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أصغر البيوت بيت صفر من كتاب الله تعالى». وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الذي يتعاهد القرآن ويشتد عليه له أجران والذي يقرأه وهو خفيف عليه مع السفرة الكرام البررة». وعنه صلى الله عليه وسلم: «أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه». «وقال قوم من الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم أم تر يا رسول الله ثابت بن قيس لم تزل داره البارحة تزهر وحولها أمثال المصابيح فقال لهم فلعله قرأ سورة البقرة فسئل ثابت بن قيس فقال قرأت سورة البقرة». وقد خرج البخاري في تنزيل الملائكة في الظلمة لصوت أسيد بن حضير بقراءة سورة البقرة وقال عقبة بن عامر عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: «عليكم بالقرآن». وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحسن الناس قراءة أو صوتًا بالقرآن فقال: «الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى».

.الترغيب في تفسير القرآن:

(وأما ما ورد في تفسيره) فروى ابن عباس أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي علم القرآن أفضل فقال النبي صلى الله عليه وسلم عربيته فالتمسوها في الشعر وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه فإن الله تعالى يحب أن يعرف وقد فسرت الحكمة من قوله تعالى: {ومن يؤت الحكمة} [البقرة: 269] بأنها تفسير القرآن وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهًا كثيرة». وقال الحسن أهلكتم العجمة يقرأ أحدهم الآية فيعيا بوجوهما حتى يفترى على الله بها وقال ابن عباس الذي يقرأ ولا يفسر كالأعرابي الذي يهذ الشعر ووصف علي جابر بن عبد الله لكونه يعرف تفسير قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} [القصص: 85] ورحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية فقيل له الذي يفسرها رجع إلى الشام فتجهز ورحل إليه حتى علم تفسيرها وقال مجاهد أحب الخلق إلى الله تعالى أعلمهم بما أنزل (وما روى) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من كونه لا يفسر من كتاب الله إلا أبا بعدد علمه إياهن جبرائيل عليه السلام محمول ذلك على مغيبات القرآن وتفسيره لمجمله ونحوه مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى: وما روى عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» محمول على من تسور على تفسيره برأيه دون النظر في أقوال العلماء وقوانين العلوم كالنحو واللغة والأصول وليس من اجتهد ففسر على قوانين العلم والنظر بداخل في ذلك الحديث ولا هو يفسر برأيه ولا يوصف بالخطأ.

.المفسرون من الصحابة:

والمنقول عنه الكلام في تفسير القرآن من الصحابة جماعة منهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص فهؤلاء مشاهير من أخذ عنه التفسير من الصحابة رضي الله عنه تعالى عنهم وقد نقل عن غير هؤلاء غير ما شيء من التفسير.

.المفسرون من التابعين:

(ومن المتكلمين) في التفسير من التابعين الحسن بن أبي الحسن ومجاهد بن جبر وسعيد بن جبير وعلقمة والضحاك بن مزاحم والسدي وأبو صالح وكان الشعبي يطعن على السدي وأبي صالح لأنه كان يراهما مقصرين في النظر.

.منهج التفسير في العصور المتقدمة له والمتأخرة:

ثم تتابع الناس في التفسير وألفوا فيه التأليف وكانت تآليف المتقدمين أكثرها إنما هي شرح لغة ونقل سبب ونسخ وقصص لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب وبلسان العرب فلما فسد اللسان وكثرت العجم ودخل في دين الإسلام أنواع الأمم المختلفة الألسنة والناقصة الإدراك احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى من غرائب التركيب وانتزاع المعاني وإبراز النكت البيانية حتى يدرك ذلك من لم تكن في طبعه ويكتسها من لم تكن نشأته عليها ولا عنصره يحركه إليها بخلاف الصحابة والتابعين من العرب فإن ذلك كان مركوزًا في طباعهم يدركون تلك المعاني كلها من غير موقف ولا معلم لأن ذلك لسانهم وخطتهم وبيانهم على أنهم كانوا يتفاوتون أيضًا في الفصاحة وفي البيان ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم حين سمع كلام عمرو بن الأهتم في الزبرقان «إن من البيان لسحرًا» وقد أشرنا فيما تقدم إلى تفاوت العرب في الفصاحة.

.تعريف علم التفسير لغة واصطلاحًا:

وقبل أن نشرع فيما قصدنا وننجز ما به وعدنا ونبدأ برسم لعلم التفسير فإني لم أقف لأحد من علماء التفسير على اسم له فنقول التفسير في اللغة الاستبانة والكشف قال ابن دريد ومنه يقال للماء الذي ينظر فيه الطبيب تفسرة وكانه تسمية بالمصدر لأن مصدر فعل جاء أيضًا على تفعله نحو جرب تجربة وكرم تكرمة وإن كان القياس في الصحيح من فعل التفعيل كقوله تعالى: {وأحسن تفسيرًا} وينطلق أيضًا التفسير على التعرية للانطلاق قال ثعلب تقول فسرت الفرس عريته لينطلق في حضره وهو راجع لمعنى الكشف فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري وأما الرسم في الاصطلاح فنقول التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك فقولنا علم هو جنس يشمل سائر العلوم وقولنا يبحث فيه عن كيفية النظق بألفاظ القرآن هذا هو علم القراءات وقولنا ومدلولاتها أي مدلولات تلك الألفاظ وهذا هو علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم وقولنا وأحكامها الإفرادية والتركيبية هذا يشمل علم التصريف وعلم الإعراب وعلم البيان وعلم البديع ومعانيها التي تحمل بها حالة التركيب شمل بقوله التي تحمل عليها ما لا دلالة عليه بالحقيقة وما دلالته عليه بالمجاز فإن التركيب قد يقضي بظاهره شيئًا ويصد عن الحمل على الظاهر صاد فيحتاج لأجل ذلك أن يحمل على الظاهر وهو المجاز وقولنا وتتمات لذلك هو معرفة النسخ وسبب النزول وقصة توضح بعض ما انبهم في القرآن ونحو ذلك. اهـ.

.مقدمة الثعالبي:

يقول العبد الفقير إلى الله المعترف بذنبه الراجي رحمة ربه عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في الدارين وبسائر المؤمنين: الحمد لله رب العالمين وصلوات ربنا وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه السادة المكرمين والحمد لله الذي من علينا بالإيمان وشرفنا بتلاوة القرآن فأشرقت علينا بحمد الله أنواره وبدت لذوي المعارف عند التلاوة أسراره وفاضت على العارفين عند التدبر والتأمل بحاره فسبحان من أنزل على عبده الكتاب وجعله لأهل الفهم المتمسكين به من أعظم الأسباب كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب.
أما بعد أيها الأخ أشرق الله قلبي وقلبك بأنوار اليقين وجعلني وإياك من أوليائه المتقين الذين شرفهم بنزل قدسه وأوحشهم من الخليقة بأنسه وخصهم من معرفته ومشاهدة عجائب ملكوته وآثار قدرته بما ملأ قلوبهم حبره ووله عقولهم في عظمته حيره فجعلوا همهم به واحدا ولم يروا في الدارين غيره فهم بمشاهدة كماله وجلاله يتنعمون وبين آثار قدرته وعجائب عظمته يترددون وبالانقطاع إليه والتوكل عليه يتعززون لهجين بصادق قوله {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} فإني جمعت لنفسي ولك في هذا المختصر ما أرجو أن يقر الله به عيني وعينك في الدارين فقد ضمنته بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية وزدته فوائد جمة من غيره من كتب الأئمة وثقات أعلام هذه الأمة حسبما رأيته أو رويته عن الأثبات وذلك قريب من مائة تأليف وما منها تأليف إلا وهو منسوب لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين وكل من نقلت عنه من المفسرين شيئا فمن تأليفه نقلت وعلى لفظ صاحبه عولت ولم أنقل شيئا من ذلك بالمعنى خوف الوقوع في الزلل وإنما هي عبارات وألفاظ لمن أعزوها إليه وما انفردت بنقله عن الطبري فمن اختصار الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي النحوي لتفسير الطبري نقلت لأنه اعتنى بتهذيبه وقد أطنب أبو بكر بن الخطيب في حسن الثناء على الطبري ومدح تفسيره وأثنى عليه غاية نسأل الله تعالى أن يعاملنا وإياهم برحمته وكل ما في آخره انتهى فليس هو من كلام ابن عطية بل ذلك مما انفردت بنقله عن غيره ومن أشكل عليه لفظ في هذا المختصر فليراجع الأمهات المنقول منها فليصلحه منها ولا يصلحه برأيه وبديهة عقله فيقع في الزلل من حيث لا يشعر وجعلت علامة التاء لنفسي بدلا من قلت ومن شاء كتبها قلت وأما العين فلابن عطية وما نقلته من الإعراب عن غير ابن عطية فمن الصفاقسي مختصر أبي حيان غالبا وجعلت الصاد علامة عليه وربما نقلت عن غيره معزوا لمن عنه نقلت وكل ما نقلته عن أبي حيان فإنما نقلي له بواسطة الصفاقسي غالبا قال الصقاقسي وجعلت علامة ما زدته على أبي حيان م وما يتفق لي إن أمكن فعلامته قلت وبالجملة فحيث أطلق فالكلام لأبي حيان وما نقلته من الأحاديث الصحاح والحسان عن غير البخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي في باب الأذكار والدعوات فأكثره من النووي وسلاح المؤمن وفي الترغيب والترهيب وأحوال الآخرة فمعظمه من التذكرة للقرطبي والعاقبة لعبد الحق وربما زدت زيادات كثيرة من مصابيح البغوي وغيره كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى كل ذلك معزو لمحاله وبالجملة فكتابي هذا محشو بنفائس الحكم وجواهر السنن الصحيحة والحسان المأثورة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التقصي وأولى الأمور بمن نصح نفسه والهم رشده معرفة السنن التي هي البيان لمجمل القرآن بها يوصل إلى مراد الله تعالى من عباده فيما تعبدهم به من شرائع دينه الذي به الابتلاء وعليه الجزاء في دار الخلود والبقاء التي لها يسعى الألباء العقلاء والعلماء الحكماء فمن من الله عليه بحفظ السنن والقرآن فقد جعل بيده لواء الإيمان فإن فقه وفهم واستعمل ما علم دعي في ملكوت السماوات عظيما ونال فضلا جسيما انتهى والله اسأل أن يجعل هذا السعي خالصا لوجهه وعملا صالحا يقربنا إلى مرضاته وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اهـ.